مقالات

النموذج المحمدي .. وجهاد الأمة مع أعدائها

مقال منقول لKhaled Khattab

هذا المقال الجميل والمعبر والذي يشرح رسالة مركز دراسات الواقع والتاريخ في هذا الجانب والذي عبرنا عنه خاصة في فيلم “القضاء والقدر .. لماذا يوجد الشر في الدنيا وما واجبنا تجاهه؟
إليكم المقال:

من خصائص سيرة نبينا صلى الله عليه وسلم، أنها اشتملت على مسار للصراع بينه وبين عدوه، يختلف عن كل من قص علينا الوحي نبأه!

فالأنبياء كانوا ما بين منصور بآية كونية، كالطوفان والريح والصيحة والحجارة وشقٍ البحر، وبين من أوتي مُلْكًا وقوة هائلة تخضع خصمه صاغراً، كسليمان، أو من انتهت جولة صراعه في الدنيا ولم يرَ نصرًا، إما بقتله كيحيى وزكريا، أو رفعه بعد تسلّط الوثنيين عليه، كعيسى بن مريم.

النموذج المحمدي لم يكن شيئا من ذلك كله! بل كان من القابلية للتأسي ما يليق بمنهج لن يعقبه غيره إلى يوم القيامة.

لقد بدأ من الصفر، متزملا متدثرا، ثم مسرّا بالدعوة ثم مجاهرا بها ثم محميًا بعمه ثم مرسِلا قومه إلى الحبشة مرتين، ثم مخاطبا سادات الطائف ثم داخلا في جوار المُطعم، ثم عارضا نفسه على القبائل الموسم تلو الموسم باحثا عن النصير، ثم مبايعا بيعة العقبة الأولى فالثانية، ثم مؤسسا لدولة ثم جيش ثم باعثا للسرايا تهاجم القوافل، ثم بدرٍ الكبرى، يُلقِي في قليبها جيف أعدائه، ثم هزيمة في أُحُد يضمدها بحمراء الاسد، ثم نقلة نوعية بعد الخندق ثم الحديبية صلح الخير، ثم الفتح، والتمكين المطلق على جزيرة العرب!

خاصيتان للجهاد المحمدي

ها هنا خاصيتان لطريق صراع نبينا الذي انتهى بالنصر:

الأولى: أن النصر لم يكن مفاجئا كما يتصوّر البعض، بل كان تدريجيا تراكميا في منحنى متصاعد. ميزان قوى يتزحزح شيئا فشيئا لصالحه، بحيث كان وضعه في كل عام -تقريبا- أقوى من الذي قبله (لا سيما بعد الهجرة)، وفي كل مرحلة كانت خياراته تزداد وخيارات عدوه تتقلّص، حتى كان الفتح نتيجة طبيعية كأعلى نقطة في المنحنى.

الثانية: أنه لم يكن من السماء في صورة إهلاك شامل يستأصِلُ قومه دون يدٍ للنبي وصحابته فيه، كحالة هودٍ أو لوطٍ أو صالح! بل كان على يد النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته، فكان عذاب الله الذي أذهب ريح قريش في صورة عشرة آلاف مقاتل يطوّقون مكة، لا في صورة صيحة أو حجارة أو طوفان!

النصر مشروط باستفراغ الوسع

نعم كان التأييد الإلهي حاضرا، لكنه كان مشروطا ببذله هو وصحابته للسبب المادي على الأرض، وبهذا كانوا يستَمطرون التأييد.

(فاستجاب لكم أني ممدكم بألفٍ من الملائكة مردفين) —- إذا ما انطلقتم إلى ذات الشوكة ببدر.

(صدقكم الله وعده) — (إذ تحسونهم)..أنتم.

(قاتلوهم) — (يعذبهم الله بأيديكم)..أنتم.

(سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب) — لكن (فاضربوا فوق الأعناق) أنتم.

(الله أكبر، خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين)..نزلنا نحن، وكنا “نحن” عذاب الله على المنذرين.

هذا طريقٌ ارتضاه ربنا لأشرف رسله وأولاهم بالتأييد. والحكمة واضحة بل منصوص عليها: (ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض)!

نخطئ إذا ما قصرنا البلاء هنا على الصبر على أذى الكفار، بل البلاء يتضمن كذلك تفعيل كل سبب مشروع تطاله أيدينا لرفع الذل ومفاجأة العدو وتهديد مصالحه وتقليص خياراته.

لا ينبغي الخلط بين حكمة الله القدرية في تأخر النصر، وبين الواجب التكليفي حتى لا يتأخر النصر!

يتأخر النصر لمزيد من التمحيص؟ لزيادة بغي الكافر ليزداد عذابه في النار؟ لاصطفاء الشهداء؟ جيد، هذه كلها حكم قدرية..وهذا باب!

الغفلة عن السبب المادي

لكن الباب المغفول عنه: هو السبب المادي الذي كُلفّت الأمة شرعاً بتفعيله قدر وسعها.

يتأخر النصر ببساطة لغياب مسار نهوض تدريجي متصاعد يغير ميزان القوى، يسلكه أهل الحق آخذين بأسبابه مفعلّين كل وسيلة متاحة على الأرض سائحين بأفكارهم خارج صندوق عدوهم، فيفاجئونه المرة تلو المرة، ويخصمون من قوته الفينة بعد الفينة، حتى يتنزل النصر، فهو فوق الرؤوس ينتظر أمر الله، لكن وفقا لسننه الكونية.

كل إغفال لهذا المكوّن من المعادلة =لا يزيد الأمة إلا استضعافا، ولا يزيد أعداءها إلا تسلطا!

النموذج الفلسطيني

نأتي لنموذج اليوم، المقا*ومة الفلسطي#نية، كحالة حية.

نرى الحجارة في الثمانينات، ثم صاروخ قس*ام 1 بمدى 3 كم في 2001 ، ثم قسام2 بمدى 9-12 كم، ثم قسام 3: بمدى 16 كم ، وتستمر الرحلة بصعود تدريجي كل عامٍ، لنبلغ عياش 250، بمدى 250 كم في 2021، يضرب لأول مرة مطار “رامون”، بعد أن عطلوا الملاحة في مطار بنجوروين!

عبر هذه السنين، وقع التمحيص واصطفى الله الشهداء وزاد الظالم في بغيه، لكنهم لم يكونوا ينتظرون نصرا معلقا في السماء دون سببه على الأرض، بل كانوا مع ذلك يبنون شبكات الأنفاق ويشيدون شبكات الاتصالات الخاصة بهم، ويدشنون مشروع طائرات مسيّرة، ويطورون منظومة صواريخ تهدد الأراضي المحتلة كلها حرفيا!

معادلة ردع تترسخ، وتكلفة اقتصادية باهظة لأي مواجهة يخوضها العدو معهم (أُطلقت غزة 3160 صاروخ، يحتاج الواحد منهم للتعامل معه 62 ألف دولار، أي تكلفة تقارب ال200 مليون دولار في أسبوع)، يتكبدها العدو لمواجهة هذه الإمكانات المتنامية كل يوم لأناس في حصار منذ 14 عاما!

وفوق ذلك كله، نضج سياسي تراكم طيلة هذه المدة، تخرج به من المواجهة بمكاسب سياسية، ويخرج العدو بغير الوجه الذي دخل به!

هكذا الصبر وإلا فلا!

هكذا نسرح بعقولنا في حلم جميل، بينما بسواعدنا ندشّن على الأرض طريق بلوغه!

هكذا يقترب النصر مع وقوع التمحيص، ويزداد الأمل ولو ازداد البلاء!

هكذا نرى بعينٍ ربَنا يصطفي الشهداء، ونرى بالأخرى نصرًا من الله، وفتحا قريبا.

منقول من صفحة

Khaled Khattab

 

المصدر
Khaled Khattab

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى