
دوافع الاتفاق
على الرغم من تأكيد قادة الدول الثلاث أن اتفاق مكة وليد تحضيرات طويلة وولم يكن رد فعل على أحداث حالية، إلا أن مساعي الدولة السعودية للبحث عن مظلة حماية إضافية مستقلة والتي أسفرت عن اتفاق أولي مع باكستان في 17 سبتمبر 2025 أتى بعد أيام قليلة من الضربة التي تلقتها قطر من إسرائيل في 9 سبتمبر 2025، هذه الضربة التي وضعت علامات استفهام كبيرة على الضمان الأمني الأمريكي للخليج، فإذا أمكن ضرب دولة حليفة للولايات المتحدة تستضيف قاعدة أمريكية كبيرة، فما القيمة العملية لذلك الضمان الأمني في لحظة الأزمة؟
وقد توسعت تلك الاتفاقية السعودية الباكستانية لتشمل تركيا في اتفاق مكة في 7 أغسطس 2026 أيضاً بعد تطورات جديدة في المنطقة وهي الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير 2026 وما أعقبها من رد إيراني واسع طال دول الخليج ومنها السعودية نفسها والمخاطر المترتبة على مواصلة قصف أهداف نفطية وبنىٍ تحتية مهمة للدولة السعودية من قبل طهران ، مع عدم فعالية ومصداقية الالتزام الأمريكي بحماية الخليج، ثم الاضطراب الذي حدث في المنطقة كلها نتيجة تلك الحرب. هذا كان الدافع المباشر لتوقيع ذلك الاتفاق على الأقل من وجهة النظر السعودية وقراءتها للأحداث ، وإن اختلف الدافع قليلاً عند الدولتين الآخرتين. فتركيا تتخوف من التمدد الإسرائيلي باتجاه سوريا ولبنان والاقتراب المتواصل من الحدود التركية والتصعيد في المشاحنات اللسانية والتهديدات الآتية من الكيان الصهيوني بل والضربات التي وجهت إلى مصالح تركية في سوريا (آخرها مطار أبو الظهور).
وباكستان تريد الاستفادة من الوفرة المالية والاقتصادية السعودية في دعم جيشها وتطوير قدراتها الردعية أمام الهند ، والاستفادة أيضاً من القدرات الصناعية العسكرية المتنامية لتركيا.
إذا فاتفاق مكة هو محاولة لبسط مظلة مستقلة على الدول الثلاث تستقي مصداقيتها وقوتها من كون الدول الثلاث تسكنها أغلبية سنية واعتماداً على مقدراتها الذاتية المتنوعة والتي إن اجتمعت وتم توظيفها بشكل صحيح تشكل رادعاً قوياً لمن يفكر في الاعتداء على أيٍ منها ، وذلك حسب ما قام في مخيلة قادتها.
إمكانية توظيف الاتفاق عسكرياً
لكن واقع الحال أنه رغم مثل هذه الاتفاقيات فإن مشاركة دولة منهم في رد عدوان عسكري عن دولة أخرى تتم عبر حسابات أعمق من مجرد ما ذُكر على الورق ، فالقوات الباكستانية كانت موجودة في السعودية ولم تشارك في رد أي اعتداء قام به الحوثيون على المملكة ، كذلك فإنه قبل توقيع هذا الاتفاق الثلاثي فإن باكستان قد وقعت اتفاقاً اقتصادياً ولوجستياً مع إيران يرفع مستوى العلاقات الاقتصادية والتبادل التجاري بين البلدين لمستويات غير مسبوقة ويلزم باكستان بالإبقاء على كل المعابر بين البلدين مفتوحة لمحاولة تخفيف الحصار الأمريكي على إيران وإيجاد بدائل برية عوضاً عن الموانئ المائية المحاصرة ، كذلك فإن علاقة تركيا بإيران قوية ولن يكون سهلاً أن تتدخل عسكرياً في حال تعرضت المملكة لمزيد من الاستهداف الإيراني رداً على القصف الأمريكي ، اللهم إلا إمداد المملكة بالمسيرات والأسلحة التركية ، وهذا يحدث طبيعياً مع دول ليس بينها وبين تركيا اتفاقيات دفاع مشترك.
الهدف هو توفير دعم معنوي
الخلاصة أن التوظيف العسكري للاتفاقية يبقى محدوداً ومحصوراً في الشكل المعنوي وهدفه ليس المشاركة في النزاعات بشكل عسكري بل بمحاولة توفير ردع مسبق لمنع هذه النزاعات قبل وقوعها، أو هكذا يأمل الموقعون على الاتفاق. فالظروف الدولية وموازين القوى لا تسمح بمثل هذا التورط المباشر في نزاعات دولة أخرى بغير حسابات دقيقة تقوم أساساً على المصالح القومية المنفردة لكل دولة على حدة.
لكن سؤالنا كان: هل هذا الاتفاق هو خطوة في اتجاه المشروع الإسلامي؟
والإجابة تستدعي أن نفهم أهداف كل منهما وهل تتطابق أو تلتقي في بعض النقاط. ورغم أن اتفاق مكة هو اتفاق يتجاوز القوميات العربية ويتدثر بملحفة “إسلامية سنية” إلا أن هدف الاتفاق هو توفير مظلة حماية بهدف ردع العدوان على تلك الدول بشكلها القومي الحالي أي حفاظاً على نظامها السياسي القائم حالياً، وهو نظام قومي سواء كان “سعودياً” أم تركياً أم باكستانياً.
والاتفاق هو محاولة لملء الفراغ الناتج عن غياب مشروع إسلامي في الأمة ، وهو ردة فعل لنشاط المشاريع المعادية للأمة الإسلامية التي سردناها في الجزء السابق من المقال ، تلك الأنشط التي قد تهدد أنظمة قائمة حالياً شعرت بالخطر لانكشافها أمام تهديدات لا تقوى على ردعها منفردة ، لكن يظل الاتفاق دون حدود تصنيفه ضمن خطوات مشروع إسلامي يخدم الأمة ويدفعها ولو خطوة باتجاه الهدف الإسلامي الصحيح.
أسس وركائز الدول القومية
وكيف يمكن أن تقوم دول أسسها المشروع الصهيوصليبي بعد اسقاط الخلافة لتقسم الأمة وشعوبها على أساس قومي وتكون حظائر تمنع نهضة هذه الشعوب ، وهي في نفس الوقت أنظمة لا تقيم أسسها وقواعدها على الإسلام أو تعتبر نفسها أنظمة علمانية بل وحتى تعادي علماء الإسلام وناشطيه وسياسيه ، كيف يمكن لهذه الدول أن تسلك مسار مشروع تعتبره خطراً على نظامها السياسي القائم.
فتركيا ، ورغم التغييرات الكبيرة التي حدثت في عهد أردوغان، إلا أنها مازلت دولة أتاتورك العلمانية بقوانينها الغير إسلامية ونهجها الغربي وانتمائها لحلف النيتو وخجلها من النشاط الإسلامي ومحدودية هذا النشاط إن وجد. بل إن مصيرها المستقبلي مجهول بعد أن يغيب القدر زعيمها الحالي والشكوك في قدرة من يخلفه على ملئ الفراغ مكانه واستمرار مسيرة الإصلاح.
والسعودية ورغم ادعائها التزام الشريعة الإسلامية إلا أن نشأتها ومسيرتها توضح حقيقة هذا الالتزام ، ثم إن حربها للعلماء وسجنهم وتدجينها لمن بقي منهم مطلقاً وسعيها الحثيث لتغيير صورتها عند الغرب ومحاولة إرضاء اليهود بتغيير المناهج التعليمية وحذف العبارات والآيات التي تعاديهم والسعي لإفساد الشباب عبر الحفلات والأنشطة الماجنة وغيرها ، كل ذلك لا يجعلها تسير في المسار الذي يخدم مشروع الأمة الإسلامي
والباكستان بنظامها العسكري الحالي المنقلب على نظام عمران خان ذي الميول الإسلامية والمنتخب شرعياً ليست بأفضل حالاً من أختيها في كل المجالات المذكورة.
مصير الاتفاقات المماثلة تاريخياً
وتاريخياً فقد فشلت اتفاقات سابقة لبناء اتحاد يتعدى القوميات لأن القومية كانت هي الفيصل والمرجع النهائي للقرار وليست إرادة الله الشرعية ولا إرادة الشعوب الإسلامية. وأفضل مثال لذلك هو جامعة الدول العربية القائمة حالياً والتي ينص ميثاقها عام 1950 على إن أي عدوان مسلح على دولة متعاقدة يُعتبر عدوانًا على الجميع، وتلزم الدول بتقديم المساعدة بما فيها استخدام القوة المسلحة. هذه الصياغة شديدة القرب من منطق اتفاق مكة الحالي لكن وجود النص لم يتحول إلى آلية تنفيذ عسكرية موحدة بسبب الخلافات العربية “القومية”. وهناك أيضاً مجلس التعاون الخليجي فقد تحوّل رسميًا من التعاون العسكري إلى الدفاع المشترك بتوقيع اتفاقية الدفاع المشترك في قمة المنامة في ديسمبر 2000.
هناك أيضًا تجربة أخرى، وهي إعلان دمشق 1991 بعد تحرير الكويت. كان الاتجاه آنذاك إلى بناء منظومة أمنية عربية تجمع دول الخليج الست مع مصر وسوريا، بحيث تسهم القاهرة ودمشق بالقوة العسكرية ويقدم الخليج العمق الاقتصادي والمالي.
كل هذه الاتفاقات تحطمت على عتبة المصلحة القومية الضيقة لكل دولة موقعة ولم تصمد أمام أدنى تحدي.
الخلاصة
المشروع الإسلامي، الذي يهدف إلى توحيد الأمة وحكمها بشرع ربها وعودتها لمجدها وتوظيف طاقتها لتؤدي المهمة التي أناطها الله بها من نشر التوحيد ومحاربة المفسدين والتبليغ عن الله ، لا يلتقي مع اتفاق مكة إلا في ظاهر الاتفاق من كونه اتفاق يتعدى القوميات ويلتحف بالمظلة “الإسلامية” ، لكنهما مختلفان جوهرياً.
المشروع الإسلامي هو الخطة التي تحقق تلك النقلة التي بشر بها النبي صلى الله عليه وسلم في حديثه المشهور:
عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: تكونُ النُّبُوَّةُ فيكم ما شاء اللهُ أن تكونَ، ثم يَرْفَعُها اللهُ – تعالى -، ثم تكونُ خلافةٌ على مِنهاجِ النُّبُوَّةِ ما شاء اللهُ أن تكونَ، ثم يَرْفَعُها اللهُ – تعالى -، ثم تكونُ مُلْكًا عاضًّا، فتكونُ ما شاء اللهُ أن تكونَ، ثم يَرْفَعُها اللهُ – تعالى -، ثم تكونُ مُلْكًا جَبْرِيَّةً فيكونُ ما شاء اللهُ أن يكونَ، ثم يَرْفَعُها اللهُ – تعالى -، ثم تكونُ خلافةً على مِنهاجِ نُبُوَّةٍ. ثم سكت.
إذا فنحن نعيش في تلك المرحلة الموصوفة في حديث النبي صلى الله عليه وسلم “ملكاً جبرية” ، والمرحلة التالية هي “خلافة على منهاج النبوة” وهي هدف المشروع الإسلامي. وكل الأمة مطالبة شرعاً في صياغة وإقرار وتنفيذ خطة لنقل الأمة إلى مرحلة الخلافة على منهاج النبوة. وما أرى الأنظمة القائمة حالياً إلا معادية بشكل جوهري لهذه الخلافة المرجوة والمبشر بها في الحديث النبوي الشريف ولن تسمح بقيامها إلا على أشلاء تلك القوميات المنتنة كما وصفها النبي صلى الله عليه وسلم في حديث آخر، وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (يوسف21).
أما الحديث عن خصائص المشروع الإسلامي وصفاته وأهدافه ومراحله فقد تحدثنا عن طرف منها في مقالات سابقة وسنخصص له مقالاً مطولاً إن شاء الله.



