مقالاتملفات ساخنة

اتفاق مكة والمشروع الإسلامي (1)

واقع الأمة المسلمة الحالي

في مقالنا السابق “صراع المشاريع وغياب مشروع الأمة المسلمة” وصّفنا واقع الأمة الحالي بعد الأحداث الأخيرة منذ حرب غزة وحصارها والإبادة الجماعية وما يحدث على أرض لبنان ثم الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وعواقبها على المسلمين في الخليج العربي خاصة وعلى الأمة كلها بصفة عامة. هذه الأحداث أظهرت حالة الضعف والهوان التي وصلت إليه الأمة نتيجة تغييب الدولة الإسلامية الجامعة للأمة بعد استيلاء الغرب والاستعمار على أراضيها وتقطيع أوصالها إلى دويلات قومية تعمل كحظائر للشعوب المسلمة التي تم تقسيمها أيضاً إلى قوميات داخل هذه الحظائر. وشرحنا أن تلك الأنظمة القومية عملت منذ توليتها على رأس هذه الحظائر على تغييب شريعة الإسلام عن الحكم وتخريب المجتمعات وإضعاف البناء المجتمعي داخل تلك الحظائر ومحاربة العلماء والمصلحين وسجنهم أو قتلهم أو نفيهم وتقييد حرية المطلق منهم ، خدمة لمن عين هؤلاء على رأس تلك الحظائر لمنع نهوض هذه الأمة.

الأنظمة القومية طمحت في الخلاص من المقاومة الإسلامية

وقد وضح خلال حرب غزة واستفراد إسرائيل بمسلمي غزة وإحكامها لحصارهم وتجويعهم وتورط دول الجوار في هذا الحصار ووضوح موقف الدول القومية من هذه المذبحة والإبادة الجماعية حيث ظنت تلك الأنظمة أنه من مصلحتها إن يتم التخلص من المقاومة “الإسلامية” في غزة المتمثلة في حركة حماس والجهاد الإسلامي وبقية المنظمات الفلسطينية، لأن انتصارها قد ينقل العدوى إلى داخل تلك الدويلات القومية نفسها ويهدد عروش أنظمتها.

حرب المشاريع على النفوذ

لكن يشاء الله أن تبدأ الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران والتي غيرت النظرة والمعادلة مما حدا ببعض الأنظمة أن تعيد التفكير وتغير اتجاهها بدرجة كبيرة. تلك الحرب التي شرحنا أنها صراع بين مشروعين (أو ثلاثة مشاريع) معادية للأمة على النفوذ على المنطقة ، وهذه المشاريع هي:

  • المشروع الصهيوني وتمثله إسرائيل والقيادات الصهيونية في أمريكا
  • المشروع الصليبي وتمثله أمريكا الصليبية والغرب من خلفها
  • المشروع الصفوي الإثناعشري الشيعي الباطني وتمثله إيران

ومن الواضح أن المشروعين الأولين متماهيان في هذه المرحلة من عمر التاريخ في مشروع واحد صهيوصليبي وكان يطمح أن يزيل المقاومة الإسلامية وينشر سلطانه على كل دول المنطقة عبر اتفاقات التطبيع الإبراهيمية المزعومة. بينما سعى المشروع الصفوي لمد أذرعته في الدول المجاورة وتوسيع نفوذه ونشر عقيدته المنحرفة داخل الشعوب المسلمة.

الأنظمة القومية هي امتداد للمشروع الصهيوصليبي

كذلك فإن قيادات الدول القومية التي نشأت على أنقاض الدولة العثمانية هي نتاج للمشروع الصهيوصليبي هذا وتعمل في خدمته وهو يحمي عروشها. هذه حقيقة لا جدال فيها ، وقد تدخلت تلك القوى الصهيوصليبية لإنقاذ تلك العروش من ثورات شعوبها وانتفاضاتهم غير مرة كما حدث في الجزائر ضد جبهة الإنقاذ التي انتخبها الشعب الجزائري ، وفي مصر ضد حكومة مرسي التي جاءت نتيجة ثورة الشعب المصري على سبيل المثال لا الحصر.

نتائج الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران

لكن نتيجة الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران أفرزت وضع جديد ، وأزالت غشاوة ووهم قدرة الأمريكان على حماية عروش منطقة الخليج خاصة من التهديد الإيراني الصفوي الإثناعشري. بل إن كل المتخصصين والمراقبين يرون أن أمريكا قد هُزمت في هذه الحرب أمام صمود الإيرانيين وفترة إعدادهم الطويلة لهذه المواجهة، فقد تم استنزاف مخازن الأسلحة المتطورة الأمريكية بشكل كبيرة نتيجة استخدام الصواريخ الاعتراضية بكثافة لحماية إسرائيل والقواعد الأمريكية في دول الخليج ، وكذلك تم استنزاف الصواريخ الهجومية التي صبتها أمريكا على أوسع نطاق على إيران أملاً في تغيير نظامها. لكن النظام الإيراني صمد رغم خسائره الكبيرة وقتل قياداته وعلى رأسهم المرشد على خامينائي ووضع معادلة جديدة في الصراع فكان يستهدف دول الخليج كلما تم استهدافه من قبل الأمريكان الذين عجزوا عن صد صواريخه ومسيراته، وكان صراخ حكام الخليج مرتفعاً يطالب الأمريكان بعدم قصف إيران لأن الإيرانيون سيقصفون الأهداف السهلة في الخليج ، مصافي النفط ومحطات الكهرباء بل والتهديد بقصف محطات تحلية المياه إذا تم قصف البنية التحتية الإيرانية. وهكذا تغلب الإيرانيون بل وسيطروا على مضيق هرمز وفشل الأمريكان خاصة وأن خيار غزو إيران باستخدام القوات الأرضية غير مطروح على الطاولة أساساً ولا يمكن تنفيذه لحسابات داخلية أمريكية وكذلك لعدم وجود دعم لهذه الحرب على المستوى الشعبي الأمريكي وحتى داخل دول النيتو.

تغير المعادلة بعد الحرب

هذه النتائج أدت إلى شعور دول الخليج العربي بأنهم أصبحوا مكشوفين أمام إيران ومشروعها الصفوي ، ولم ينفعهم الاحتماء بالحماية الأمريكية التي عجزت هي نفسها عن حماية قواعدها العسكرية في هذه الدول ، وتورطت في مستنقع لا تعرف كيف تخرج منه ومازالت تحاول البحث عما يحفظ على الأمريكان هيبتهم وقيادتهم العالمية التي تغيرت بالتأكيد بعد هذه الحرب.

البحث عن مظلة حماية جديدة

من هنا جاء البحث عن قوى أخرى أكثر قرابة من الأمريكان والإسرائيليين لحماية عروش هذه الدول التي رأت نفسها في مهب الريح تحت الحماية الأمريكية ، فكانت معاهدة الدفاع المشترك بين السعودية وباكستان (الدولة النووية) أولاً ، ثم جاءت اتفاقية مكة بين السعودية وتركيا وباكستان لإيجاد مظلة مشتركة لهذه الدول تستفيد فيها من القدرات الاقتصادية والبترولية للسعودية والقدرات التصنيعية الحربية التركية والردع النووي الباكستاني لحماية الدول الثلاث من التهديدات المتربصة بهم من المشروع الصفوي الذي يهدد دول الخليج ، والمشروع الصهيوني الذي يتوقع أن يتشابك مع تركيا في مرحلة مقبلة وكذلك مد الحماية لباكستان ضد التهديد الهندي أيضاً.

الاتفاقية والمشروع الإسلامي الحقيقي

لكن هل هذه الاتفاقية هي عودة إلى الأصول وتخطي القوميات “العربية والتركية والباكستانية” لتشكل نواة للمشروع الإسلامي؟
هذا ما سنحاول إلقاء الضوء عليه في المقالة القادمة إن شاء الله.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى